"اللهم قد بلغت"

من صلب الديمقراطية

 

 

قضايا متناثرة استأثرت باهتمامي، وهي من صلب الديمقراطية، رغم أن القليل من الناس ينتبهون لها.

فمن صلب الديمقراطية ضرورة فهم دوافع القرارات الرسمية المتخذة وخلفياتها. فمثلاً منع جمعية أو جريدة والهجوم على متظاهرين وتفعيل الهراوات في حقهم وعدم السماح بوقفة احتجاجية ضرب المتظاهرين في الشارع العام وعدم التطرق لأحداث مهمة من طرف الرسميين ووسائل الإعلام العمومية كلها قرارات تستوجب بالضرورة تعليل وتوضيح أسبابها وخلفياتها إن نحن فعلاً أردنا أن نكون ديمقراطيين قولاً وعملاً. وذلك لسبب بسيط معروف لدى الجميع، إذ أن القائمين على الأمور –في نظام ديمقراطي حق- لا حق لهم في اتخاذ القرار حسب هواهم لكونهن لا يتصرفون في ضيعة من ضيعاتهم، وإنما هم مطالبون- إن كانوا فعلاً يحترمون الشعب- بتعليل قراراتهم، فهُم ملزمون بذلك ولا خيار لهم. وهذا التعليل وجب أن يكون علنياً وليس سراً أو متستر عليه، لماذا؟ بكل بساطة لأن الديمقراطية الحقة، هي بالضرورة فهم عموم الشعب لأسلوب صناعة القرار ودوافعه ومرتكزاته. وعندما ينعدم هذا الفهم وهذه العلنية والشفافية في التعليل، فهذا يعني أن الديمقراطية المعتمدة مجرد ديكور لإخفاء التسلط والمزاجية في اتخاذ القرار.

والحالة هذه، على القائمين على الأمور أن يفسروا أسباب منع تظاهرة أو احتجاج أو تدخل أمني قوي أو الهجوم على المحتجين بالضرب، وما هي الدوافع التي أملت ذلك التصرف وليس غيره، لأن هذا من قبيل تكريس الديمقراطية واحترامها - علماً أن الديمقراطية تقرّ أن لا حق للقائمين على أمورنا- بأي شكل من الأشكال –اتخاذ القرار كما يحلو لهم، بل عليهم كلّما اتخذوا قراراً أن يعللوه ويكشفون دوافعه للشعب، وهنا يكمن الفرق بين الإستبداد والديمقراطية، كما أنه لا سرّية في مجال تدبير الشأن العام وقضايا المواطنين، وبالتالي لا حق لأحد أن يدعي السرية في هذا المضمار.

لكن لماذا وجب التعليل العلني؟

لأنه في الأصل، كل منع في مجال الحريات العامة هو نوع سافر من الحجر على الشعب وعقول المواطنين. كما أنه أيضاً حالة من حالات فرض الوصاية، وهذا أمر غير مقبول مهما كانت التبريرات.

تحضرني هنا واقعة عاشها البروفسور المهدي المنجرة مع والده رحمه الله، وهي واقعة أدلى بها أكثر من مرة وذات دلالة عميقة جداً، قد تساهم في كشف مزايا فلسفة الرفض.

يقول المهدي المنجرة: "علمني والدي رحمه الله شيئاً مهماً عندما كان عمري لا يتجاوز 17 سنة، وكنت وقتئد بالديار الأمريكية... حين كان يخاطبني أقول له نعم سيدي، فالتفت إليّ وقال: "آ المهدي تعلم أن تقول لا، قل لا أولاً وإذا اتضح أن هناك مبررات لقول نعم فلا بأس، أمّا إذا تعودت على قول نعم فسيصعب عليك قول لا بعد ذلك". وهيهات هيهات، بين هذا الكلام عقلية "نعم آسي" العزيزة على قلب المخزن والممخزنين.

لكن ماهو الداعي لكتابة هذا الموضوع أصلاً في الحقيقة هناك حدثان قاداني إلى التفكير في أهمية تعليل القرارات المتخذة لكونه من صلب الديمقراطية.

 الحدث الأول: مشاركة 24 شخصاً من انفصاليي الداخل المقيمين بالمغرب في المؤتمر الثالث عشر لجبهة البوليساريو. وقد صعد منهم 50% بالمائة (أي 12 شخصاً) إلى أجهزة الجبهة التقريرية رغم أنهم سيظلون مقيمين فوق التراب الوطني. وبعد عودتهم إلى الوطن، أقاموا احتفالات علنية لتخليد هذا "النصر" غير المسبوق. كما دخلوا دخول الأبطال إلى مدينة السمارة رافعين شعارات موالية للبوليساريو. ورغم استنفار وتحرك جميع المصالح الأمنية والإستخباراتية لم نعاين أي تدخل بل أكثر من هذا، صدرت تعليمات صارمة من الإدارة العامة للأمن الوطني بعدم التدخل وتجنب أي احتكاك أو اشتباك. في حين لازلنا نعاين تفعيل هراوات الأمن ضد احتجاجات المعطلين وبعض وقفات حركة 20 فبراير، وكذلك منع تظاهرات ووقفات احتجاجية هنا وهناك، وهذه مفارقة غريبة حقاً وغير مفهومة. إنها قرارات –سواء الأولى أو الثانية- تستوجب التعليل والتوضيح، سيما وأنها تتقمص بجلاء مشهد الكيل بمكيالين بشكل سافر. أما الحدث الثاني، فقد كان من المنتظر أن يتم تعيين أحد أبناء الصحراء ضمن الحكومة الجديدة، وكانت كجمولة، ذات حظوظ وافرة في هذا المضمار، إلا أن هذا لم يتم، مما ولّد نوعاً من الإستياء لدى العديد من ساكنة الأقاليم الجنوبية وفعاليات المجتمع المدني.

في هذا الصدد سجلت رابطة أنصار الحكم الذاتي في الصحراء ملاحظات نارية ودعت حكومة بنكيران تدارك الأمر. هذا في وقت اهتمت البوليساريو بانفصاليي الداخل وبوأتهم مكانة مهمة في جملة من أجهزتها التقريرية.

تحت تصنيف : اللهم قد بلغت

التعليقات

إضافة تعليق